لابد من بصيرة أمام هذا الكيد

الدكتور عبدالله الطارقي

بقلم الدكتور عبدالله الطارقي، دكتوراه في التوجيه والإرشاد النفسي

هناك.. في بيئة لا تتزاحم فيها الرفاهية، لأنها ضاربة في التاريخ قِدمًا حصلت مواقف وقصص وأخبار لا تزال من قوة النور والوضاءة فيها قادرة على أن تضيء كل ظلمة في حياتنا الباذخة الرفاهية، بيئتنا اليوم مع تزاحم أنوار الكهرباء فيها بحاجة – دائمًا – إلى ذلك النور الذي تستجلبه من تلك الحقب التاريخية؛ لأنها أنوار المعنى والحقيقة، إنها تفعل ذلك وكأنها تستخرج نورًا من وسط غبار الزمن وأسمال التاريخ الغابر.

من تلك الحقبة أحدثك عن رجل من رجالاته وهو جارية بن قدامة التميمي السعدي رضي الله عنه – من أقارب الأحنف بن قيس – صحابي جليل، كان صديقًا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، حضر معه صفيّن وكان جارية سيدًا من سادات قومه بني تميم.

نقل لنا البلاذري من أخبار صاحبنا جارية رضي الله عنه: أن رجلاً من قيس بن ثعلبة آلى – أي حلف – ليلطمن سيد بني تميم، فلطم الأحنف وهو من عمومة جارية، فقال له :يا ابن أخي ما دعاك إلى هذا؟ فقال :حلفت لألطمن سيد بني تميم، فقال: ما أنا بسيد بني تميم، سيدهم جارية بن قدامة. فأتى جارية فلطمه، فأمر به فأدخل الدار ثم دعا بحداد فقطع يده. (انظر: أنساب الأشراف للبلاذري)، (12/378).

لم أستطع الوصول إلى زمن وقوع حادثة اللطم وقطع يد اللاطم، لكنها على كل حال أثرُ غضبٍ، وغالب الظن أنها متأخرة حصلت بعد إسلامه؛ لأن في بعض روايات القصة – كما عند ابن عساكر في تاريخ دمشق – ذكر جامع البصرة. 

وعلى هذا فيكون توجيه النبي ﷺ لجارية أن يتقي غوائل الغضب من الإعجاز وأمارات النبوة؛ فلولا الغضب ما قطع يد من لطمه! 

إننا نتعلم من وصية رسول الله عليه وسلم لسيد قومه توقي الغضب، وكأن الوحي أخبره بشأنه وحاله، إن تلك الوصية قبس من أنوار تلك الحقبة تنير لنا حياتنا حتى مواقفنا في بيئات الأعمال الإدارية في ناطحات السحاب في القرن الخامس عشر الهجري، وذلك أن جارية رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قائلًا :يا رسولَ الله! قُلْ لي قوْلاً، وأقْلِلْ، لَعلِّي أَعِيه؟ قال: “لا تَغْضَبْ. “

فأعادَ عليه مِرارًا، كلُّ ذلك يقولُ: “لا تَغْضَبْ.” رواه أحمد – وصححه الألباني.

وفي رواية أنه قال: دُلَّني على عَملٍ يُدخِلُني الجنَة؟ قال رسولُ الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا تَغْضَبْ، ولَك الجَنَّةُ.” رواه الطبراني بإسناد صحيح.

أيها المدير الفاضل .. خذها وصية من ذلك الزمن .. لا تغضب، فوراء كل فورة غضب حالة ندم قريب .. دعني أكاشفك عن السر العظيم وراء الغضب حتى يأخذ هذه الأهمية ويكون سبيلًا إلى الجنة، ويكون الأمر باتقائه النصيحة الأم التي تُعطى للقيادات والسادة ومن يتولون أمور الناس خاصة، مع أنه وصية لجميع بني البشر؛ لأنها وصية سيد البشر صلى الله عليه وسلم.

ذلك أن الغضب واحد من أهم مساوئ الأخلاق التي يمكننا عدُّها أم خبائث أخلاق الناس وسلوكياتهم؛ لأنه من كيد الشيطان.

وحتى تتحقق معي من أن الغضب من كيد الشيطان تابع هذه القصة: “استَبَّ رَجُلانِ عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فغَضِبَ أحَدُهما، فاشتَدَّ غَضَبُه حتَّى انتَفخَ وجهُه وتَغَيَّرَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي لأعلَمُ كَلِمةً لو قالها لذَهَبَ عنه الذي يَجِدُ، فانطَلقَ إليه الرَّجُلُ فأخبَرَه بقَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: تَعَوَّذْ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ، فقال: أتُرى بي بَأسٌ؟ أمجَنونٌ أنا!”. رواه البخاري.

قال الحافظ ابن حجر: “الغَضَبَ نَوعٌ مِن شَرِّ الشَّيطانِ؛ ولهذا يَخرُجُ به عن صورَتِه، ويُزَيِّنُ إفسادَ مالِه، كَتَقطيعِ ثَوبِه وكَسرِ آنيَتِه أوِ الإقدامِ على مَن أغضَبَه، ونَحوِ ذلك مِمَّا يَتَعاطاه مَن يَخرُجُ عنِ الاعتِدالِ”. فتح الباري (10/467).

ثق تمامًا يامن تدير الناس في أي منشأة بأن الشيطان حريص كل الحرص على أن يكيدك في فرص كثيرة أسوأها تلك التي يحملك فيها على الغضب، لأن بيئة الأعمال مليئة بأحداث كثيرة، وربما أخطاء كثيرة، وهي فرصة للشيطان ليغضبك فيفسد عليك شؤونك، وربما همس في أذنك ليُقنعك بأنك معذور فأنت مغضب، وكم تسمع من الناس اليوم حين تخف وطأة الشيطان عليهم يعتذرون وهم يبتسمون ويقولون: “سامحني كنت زعلان”. إنه العقل الذي يحضر بعدما يعبث الشيطان بكل شيء!

إنه كيدُ خبيرٍ من زمن آدم عليه السلام، يعرف متى يُغضبك ومتى يُخرجك عن طَورك ومتى يحملك على قول ما لا يليق، ويفسد عليك الطريق، ويشوش حياتك الاجتماعية.

إن كنت زوجًا ربما حملك الغضب على الطلاق، وإن كنت مديرًا حملك الغضب على الظلم، وإن كنت صديقًا حملك على القطيعة، وإن كنت وإن كنت…

إن أول ميادين النجاح في الإدارة هو إدارة النفس وإضاءة دهاليزها الخفية بنور نصوص الوحي ووصايا خير البرية، خصوصًا عند رؤية ما لا يليق في بيئة العمل. 

وهذا الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه يُكمل الصورة التي بدأها جارية رضي الله عنه ليقول لك دون مواربة؛ إنّ النبيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  قال: ليسَ الشديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشديدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَه عند الغَضَبِ”، وفي رواية: “ليس الشديدُ مَن غَلَبَ الناسَ، إنما الشديدُ من غَلَبَ نفسَه. ” رواه البخاري ومسلم.

والله أعلم